العيني
72
عمدة القاري
رقبته يحمل عليها الحجارة ، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لا كم ، ما أراه إلاَّ لكمة وجيعة ، ثم قال شد عليك إزارك . فأخذته فشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي ) . وقال السهيلي : وحديث ابن إسحاق هذا إن صح فهو محمول على أن هذا الأمر كان مرتين ، في حال صغره . وعند بنيان الكعبة . قوله : ( وعليه إزار ) ويروى : ( عليه إزاره ) ، بالضمير ، وهذه الجملة حال بالواو ، وفي بعض النسخ بلا واو . قوله : ( عمه ) مرفوع لأنه عطف بيان . قوله : ( لو حللت ) ، جواب : لو ، محذوف إن كانت شرطية ، وتقدير : لو حللت إزارك لكان أسهل عليك ، ويجوز أن تكون : لو ، للتمني فلا تحتاج إلى جواب حينئذٍ . قوله : ( فجعلت ) أي الإزار ، وفي رواية الكشميهني : ( فجعلته ) ، بالضمير . وجاء في رواية غير ( الصحيحين ) : ( إن الملك نزل عليه فشد إزاره ) . قوله : ( قال : فحله ) ، يحتمل أن يكون مقول جابر أو مقول من حدثه . قوله : ( فسقط ) أي : رسول الله مغشياً عليه ، أي مغمىً عليه ، وذلك لانكشاف عورته . قوله : ( فما رؤي ) ، بضم الراء بعدها همزة مكسورة ويجوز كسر الراء بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم همزة مفتوحة . وفي رواية الإسماعيلي : ( فلم يتعرَّ بعد ذلك ) ، قوله : ( عرياناً ) نصب على أنه مفعول ثان لرؤي . ذكر ما فيه من الفوائد منها : أن النبي كان في صغره محمياً عن القبائح ، وأخلاق الجاهلية ، منزهاً عن الرذائل والمعايب قبل النبوة وبعدها . ومنها : أنه كان جبله ا تعالى على أحسن الأخلاق والحياء الكامل حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، فلذلك غشي عليه ، وما رؤي بعد ذلك عرياناً . ومنها : أنه لا يجوز التعري للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها ، والمشي عرياناً بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلاَّ ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة . قالوا : وقد دل حديث العباس المذكور أنه لا يجوز التعري في الخلوة ، ولا لأعين الناس . وقيل : إنما مخرج القول منه للحال التي كان عليها ، فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة ، فقال : نهيت أن أمشي عرياناً في مثل هذه الحالة ، لو كان ذلك نهياً عن التعري في كل مكان لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد ، ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه فيه أحد ، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عرياناً ، ولذلك نهى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار فإن قلت : روى القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً : ( لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري لواريتها ) . وقال علي رضي ا تعالى عنه : ( إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك ) . وقال أبو موسى الأشعري : ( إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حياء من ربي ) . قلت : كل ذلك محمول على الاستحباب لاستعمال الستر ، لا على الحرمة ، وفي ( التوضيح ) : إذا أوجبنا الستر في الخلوة فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر ؟ وجهان : أحدهما : لا ، للنهي عنه ، والثاني : نعم ، لأن الماء يقوم مقام المئزر في ستر العورة ، وا أعلم . 9 ( ( باب الصَّلاَةِ فِي القَمِيصِ والسَّرَاوِيلِ والتُّبَّانِ والقَبَاءِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في القميص إلى آخره . القميص معروف ، وجمعه : قمصان وأقمصة ، وقمصه تقميصاً وتقمصة أي ؛ لبسه : والسراويل أعجمي عرّب ، نقل سيبويه عن يونس ، وزعم ابن سيده أنه فارسي معرب يذكر ويؤنث ، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث ، والجمع سراويلات ، وقال سيبويه : لا تكسر لأنه لو كسر لم يرجع إلاَّ إلى لفظ الواحد فترك . ويقال . هو جمع سروالة . وقال أبو حاتم السجستاني : السراويل ، مؤنث لا يذكرها أحد علمناه ، وبعض العرب يظن السراويل جماعة ، وسمعت من الأعراب من يقول : الشروال بالشين المعجمة . قلت : ولما استعملته العرب بدلوا الشين سيناً ثم جمعوه على سراويل ، وقد يقال فيه : سراوين ، بالنون موضع اللام ، وفي ( الجامع ) للقزاز : سراويل وسروال وسرويل ، ثلاث لغات . والتبان ، بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة . قال في ( المحكم ) : التبان يشبه السراويل يذكر . وفي ( الصحاح ) : التبان سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة ، فقد يكون للملاحين . قلت : وهو عند العجم من جلد بلا رجلين يلبسه المصارعون . والقبا ، بفتح القاف والباء الموحدة المخففة . قال الكرماني : ممدود ، وتبعه على ذلك بعضهم . قلت : لم يذكر غيره ، بل الظاهر أنه مقصور . وفي كتاب الجواليقي : قال بعضهم : هو فارسي معرب ، وقيل : عربي واشتقاقه من : القبو ، وهو الضم والجمع